فخر الدين الرازي

551

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم سورة التغابن ( ثمان عشرة آية مكية ) [ سورة التغابن ( 64 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1 ) وجه التعلق بما قبلها ظاهر لما أن تلك السورة للمنافقين الكاذبين وهذه السورة للمنافقين الصادقين ، وأيضا تلك السورة مشتملة على بطالة أهل النفاق سرا وعلانية ، وهذه السورة على ما هو التهديد البالغ لهم ، وهو قوله تعالى : يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ وأما الأول بالآخر فلأن في آخر تلك السورة التنبيه على الذكر والشكر كما مر ، وفي أول هذه إشارة إلى أنهم إن أعرضوا عن الذكر والشكر ، قلنا : من الخلق قوم يواظبون على الذكر والشكر دائما ، وهم الذين يسبحون ، كما قال تعالى : يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، وقوله تعالى : لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ معناه إذا سبح للَّه ما في السماوات وما في الأرض فله الملك وله الحمد ، ولما كان له الملك فهو متصرف في ملكه والتصرف مفتقر إلى القدرة فقال : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وقال في « الكشاف » : قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد باللَّه تعالى وذلك لأن الملك في الحقيقة له لأنه مبدئ لكل شيء ومبدعة والقائم به والمهيمن عليه ، وكذلك الحمد فإن أصول النعم وفروعها منه ، وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء ، وحمده اعتداد بأن نعمة اللَّه جرت على يده ، وقوله تعالى : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قيل : معناه وهو على كل شيء إرادة قدير ، وقيل : قدير يفعل ما يشاء بقدر ما يشاء لا يزيد عليه ولا ينقص . وقد مر ذلك ، وفي الآية مباحث : الأول : أنه تعالى قال في الحديد : سَبَّحَ [ الحديد : 1 ] والحشر والصف كذلك ، وفي الجمعة والتغابن يُسَبِّحُ لِلَّهِ * فما الحكمة فيه ؟ نقول : الجواب عنه قد تقدم . البحث الثاني : قال في موضع : سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ * [ الحشر : 1 ] وفي موضع / آخر سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الحديد : 1 ] فما الحكمة فيه ؟ قلنا : الحكمة لا بد منها ، ولا نعلمها كما هي ، لكن نقول : ما يخطر بالبال ، وهو أن مجموع السماوات والأرض شيء واحد ، وهو عالم مؤلف من الأجسام الفلكية والعنصرية ، ثم الأرض من هذا المجموع شيء والباقي منه شيء آخر ، فقوله تعالى : يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ بالنسبة إلى هذا الجزء من المجموع وبالنسبة إلى ذلك الجزء منه كذلك ، وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال ، قال تعالى في بعض السور كذا وفي البعض هذا ليعلم أن هذا العالم الجسماني من وجه شيء واحد ، ومن وجه شيئان بل أشياء كثيرة ، والخلق في المجموع غير ما في هذا الجزء ، وغير ما في